المقداد السيوري
43
كنز العرفان في فقه القرآن
إذ الأمر حقيقة في الوجوب والإجماع يؤيّده وفي وصفه بالأذى وترتيبه الحكم عليه بالفاء إشعار بأنّه العلَّة . وفي كيفية الاعتزال عندهم خلاف فقال محمّد بن الحسن كما قلناه إنّه القبل وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي هو ما اشتمل عليه الإزار . روي أنّ أهل الجاهليّة كانوا لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يساكنونها في البيت كفعل اليهود والمجوس فلمّا نزلت الآية أخذ المسلمون بظاهرها ففعلوا كذلك فقال أناس من الأعراب : يا رسول اللَّه البرد شديد والثياب قليلة فان آثرناهنّ بالثّياب هلك سائر أهل البيت وإن استأثرناها هلكت الحيض فقال عليه السّلام : إنّما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن ولم آمركم بإخراجهنّ كفعل الأعاجم . وقيل : إنّ النّصارى كانوا يجامعونهنّ ولا يبالون بالحيض واليهود كانوا يعتزلونهنّ في كلّ شيء فأمر اللَّه تعالى بالاقتصاد بين الأمرين . 5 - اختلف في مدّة زمان الاعتزال وغايتها فقال الشافعيّ حتّى تغتسل ويحتجّ بأنّه جمع بين القرائتين ولقوله : « فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ » فعنده لا يجوز وطيها حتّى تطهر وتتطهّر . وقال أبو حنيفة بالجمع بين القرائتين ( 1 ) بأنّ له أن يطأها في أكثر
--> ( 1 ) قد أشرنا في بعض الحواشي السّابقة إلى إجمال البحث في القرائات المختلفة وعدم تواترها ونرشدك الآن إلى مراجعة رسالة نفيسة أدرجها صاحب مفتاح الكرامة في مباحث القراءة ص 390 إلى 396 من كتاب الصّلوة المجلَّد الأوّل لا يستغنى الفقيه عن مراجعتها فراجع وانّ للعلامة آية اللَّه السيد أبى القاسم الخويي دام ظلَّه في مقدّمة كتابه البيان في التفسير بيانا تامّا في اسناد القراءات والخدشة في كلَّها مستدلَّا فراجعه من ص 92 إلى ص 115 فإنّه مفيد جدّا . ونزيدك بيانا في عدم التّواتر واللَّزوم للقراءات السّبع : انّه لم يكن عرفت في الأمصار الإسلاميّة ، حين بدء العلماء يؤلَّفون في القراءات ، والسّابقون منهم كأبي عبيد القاسم بن سلام وأبى جعفر الطَّبري وأبى حاتم السجستاني ذكروا في مصنّفاتهم أضعاف تلك القرائات وانّما كان ابن مجاهد هو الَّذي قام على رأس الثّلاث مأة للهجرة في البغداد الَّذي قالوا في حقّه : انّه تسبّع السّبعة ، وقد حظيت قراءة السّبعة من لدن ابن مجاهد بشهرة واسعة حتى توهّم عدّة رواية نزول القرآن بالأحرف السّبع إرادة القراءات السّبع . والحاصل انّ المتواتر من القرآن ليس إلَّا ما بين الدّفتين وانّ القراءات ليست بمتواترة بل انّما هي امّا اجتهاد من القرّاء ، أو نقل آحاد لم يثبت عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله فعليه يكون الآية بالنسبة إلى حكم الطاهرة غير المتطهّرة مجملة ، فيكون موردا لما شرحه الشّيخ الأنصاري في التّنبيه العاشر من تنبيهات الاستصحاب وذكره المحقّق الخراساني في التّنبيه الثّالث . وحيث انّ حكم العام : « فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » ليس حكما مجعولا على نحو الدّوام والاستمرار بل جعل كلّ يوم بل كل آن من الآنات فردا لموضوع العام ، فالمتّبع في غير ما تيقّن تخصيصه هو العمل بالعام ، ونتيجته جواز الوطي بعد الطَّهر . ولو فرض تواتر القراءات أيضا قلنا : انّه مع الفرض لا يكون بينهما تعارض بحسب السّند ، بل التّعارض بينهما بحسب الدّلالة . فإذا علمنا إجمالا انّ أحد الظَّاهرين غير مراد في الواقع فلا بدّ من القول بتساقطهما ، فإنّ أدلَّة التّرجيح أو التّخيير انّما هو في تعارض الاخبار ، وبعد التساقط يكون عموم العام : « فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » متبعا . هذا من حيث الاستناد إلى الكتاب . وامّا الاخبار فحيث إنّها متعارضة ، فالمتّبع هو التّخيير ، ولازمه جواز الأخذ بما دلّ على الإباحة . وحيث انّ اخبار المنع ليست بصريحة في الحرمة فالجمع بينهما بحمل ما دلّ على المنع على الكراهة جمعا عرفيّا أخرى فتدبّر . وقال العلَّامة الحكيم مدّ ظلَّه في المستمسك ( ج 3 ص 298 ) « وعلى قراءة التّخفيف بتعارض الصدر والذّيل لظهور الطَّهارة في النقاء وكما يمكن التّصرف في الأوّل بحمل الطَّهارة على الغسل يمكن في الثّاني بحمل التّطهّر على النّقاء أو حمل الأمر على الإباحة بالمعنى الأخصّ المقابل للحرمة والكراهة والأخير أقرب لما فيه من المحافظة على التعليل بالأذى المختص بالدّم وعلى اختلاف معنيي الفعل المجعول غاية والمجعول شرطا في الجملة الثانية الَّذي يشهد به اختلافها في الهيئة . نعم الأقرب من ذلك كلَّه تقييد إطلاق الغاية بمفهوم الشرطية ويتعيّن حينئذ الخروج عن ظاهرها بما عرفت من النصوص فتعيّن حمل الأمر على الإباحة بالمعنى الأخصّ » .